الشيخ أحمد فريد المزيدي

177

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

ذرة ، فأخشى أن يقطعني عن ربّي ، ثم قام ، وسأل عن القوم ، وطلب ورثتهم ، فاستحلّ منهم لنفسه ولأمه « 1 » . قال قاسم الفارسي : بات الجنيد ليلة العيد في موضع غير الموضع الذي كان يعتاده في البرية ، فلما أن صار وقت السحر إذا بشابّ ملتفّ في عباءة ، وهو يبكي ، ويقول « 2 » : بحرمة غربتي كم ذا الصدود * ألا تعطف عليّ ؟ ألا تجود ؟ سرور العيد قد عمّ النواحي * وحزني في ازدياد لا يبيد فإن كنت اقترفت خلال سوء * فعذري في الهوى ألا أعود قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : لقد فاز قوم دلّهم وليّهم على مختصر الطريق ، فأوقفهم على محجة المناجاة ، ولوّح لهم على فهم الدعوة إلى المسارعة بالمناسبة إلى فهم الخطاب ؛ إذ يقول اللّه عز وجلّ : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آل عمران : 133 ] ، فنهضت العقول مستجيبة بحسن التوجه لإقامة ما به يحظون عنده « 3 » . في قوله تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [ الذاريات : 50 ] قال الجنيد : الشيطان داع إلى الباطل ؛ ففروا إلى اللّه يمنعكم منه « 4 » . وقد جاء شخص إلى الجنيد رضي اللّه عنه ، فقال : يا سيدي ، أنا صرت آتي المعاصي ، وأنا مشاهد للّه عز وجلّ من كونه خالقا لتلك المعصية . فقال له الجنيد : هذا تلبيس من الشيطان ، ولو حققت النظر لوجدت نفسك حال المعصية لا يصحّ لها مشاهدة الحق تعالى مطلقا ، ثم لو قدّر أنك شاهدته تعالى لشهدته ساخطا عليك غير راض عنك « 5 » . قول الجنيد في معنى قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّه ليغان على قلبي فأستغفر ربّي في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة « 6 » » .

--> ( 1 ) انظر : روضة الحبور ( ص 58 ) بتحقيقنا . ( 2 ) انظر : طبقات الأولياء ( ص 133 ) ، وطبقات السبكي ( 2 / 271 ) ، والمستطرف ( ص 218 ) . ( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 412 ) . ( 4 ) انظر : روح المعاني ( 17 / 54 ) . ( 5 ) انظر : العهود المحمدية ( ص 223 ) . ( 6 ) رواه مسلم ( 4 / 2050 ) ، وأبو داود ( 1 / 8 ) ، وأحمد في المسند ( 4 / 211 ) ، وانظر : العهود المحمدية ( ص 223 ) ، وعقب بقوله : إن المراد به أنه اطلع على ما تقع فيه أمته من المعاصي بعده ، فكان يستغفر اللّه تعالى لهم لا له لأنه صلى اللّه عليه وسلّم لا ذنب عليه .